النويري
86
نهاية الأرب في فنون الأدب
وإذا وقع بعدها الفعل فالمعنى أن ذلك الفعل لا يصح إلا من المذكور ، كقوله تعالى : * ( إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبابِ ) * * ؛ ثم قد يجتمع معه حرف النفي ، إما متأخرا عنه كقولك ، إنما يجئ زيد لا عمرو : قال تعالى : * ( إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ) * وقال لبيد : فإذا جوزيت قرضا فاجزه إنما يجزى الفتى ليس الجمل « 1 » وإما مقدّما « 2 » عليه ، كقولك : ما جاءني زيد وإنما جاءني عمرو ، فها هنا لو لم تقل : إنما ، وقلت : ما جاءني زيد وجاءني عمرو لكان الكلام مع من ظنّ أنهما جاءاك جميعا ، وإذا أدخلتها فإن الكلام مع من غلط في الجائى أنه زيد لا عمرو . قال : واعلم أنّ أقوى ما تكون « إنّما » إذا كان لا يراد بالكلام الذي بعدها نفس معناه ، ولكن التعريض بأمر هو مقتضاه ، فإنا نعلم أنه ليس الغرض من قوله تعالى : * ( إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبابِ ) * * أن يعلم السامعون ظاهر معناه ، ولكن أن يذمّ الكفّار ويقال لهم : إنهم من فرط العناد في حكم من ليس بذى عقل ، وقوله تعالى : * ( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها ) * و * ( إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ ) * والتقدير إنّ من لم تكن له هذه الخشية ، فهو كمن لم تكن له أذن تسمع وقلب يعقل ، فالإنذار معه كلا إنذار ، وهذا الغرض لا يحصل دون « إنما » لأن من شأنها تضمين الكلام معنى النفي بعد الإثبات ، فإذا أسقطت لم يبق إلا إثبات الحكم للمذكورين ، فلا يدلّ على نفيه [ عن « 3 » ] غيرهم إلا أن يذكر في معرض مدح الإنسان بالتيقّظ والكرم وأمثالهما ، كما يقال : كذلك يفعل العاقل ، هكذا يفعل الكريم .
--> « 1 » عجز هذا البيت يضرب مثلا في المكافأة ، والمراد : إنما يجزيك من فيه إنسانية لا بهيمية . « 2 » في الأصل : « وما تقدّم » وهو تحريف . « 3 » عبارة الأصل وحسن التوسل : « نفى غيرهم » وفيها نقص لا يستقيم به المعنى . وما أثبتناه تقتضيه صحة العبارة ، وما قبله يؤيده .